Vous êtes ici : Accueil > ملفاتنا > نحو بدائل ثقافية بالمغرب > ابداعات - الرسام البيدوري، فنان صرخت أعماله من مدينة "الويجانطي" - حاوره صلاح الدين عابر
  • ابداعات - الرسام البيدوري، فنان صرخت أعماله من مدينة "الويجانطي" - حاوره صلاح الدين عابر

  • في مدينة هادئة يسكنها الصمت، وتنعم بسُكانها الطيبين، يُطلق عليها اسم " الويجانطي " وهي كلمة نسبة للمهندس الفرنسي " لويس جانتيل " الذي اكتشف بها مادة الفوسفاط أوائل القرن الماضي. هنا في مدينة اليوسفية مدينة نضالات الطبقة العاملة بامتياز، يُقيم الفنان والـمُبدع الرسام " عبد الكبير البيدوري “.

     

    " تحرريات " زارت الفنان والرسام عبد الكبير البيدوري في منزله، الذي يبدو عبارة عن لوحة كبيرة تتجسد فيها معاني الحياة والابداع، منزل مُشبع بالألوان والألغاز على جدران جعل منها المبدع عبد الكبير ناطقة بذات معاني مختلفة.

     

    هذه الألوان والرسومات المتألقة، خطتها أيدي فنان واجه الحياة وكابر وتألق حيث لا تفارقه ابتسامة عريضة تختزل الكثير من المعاني.

     

    من هو عبد عبد الكبير البيدوري ؟

     

    JPEG - 4.5 ميغابايت
    Regard féminin

     

    ازداد عبد الكبير البيدوري الذي هو استاذ العلوم الطبيعية مُحال على المغادرة الطوعية في مدينة اليوسفية سنة 1951 حيث ربته أم شكلت في حياته قفزة نوعية، ساعدته على تنمية قدراته الابداعية وجعلت منه فنان بكل معنى للكلمة.

     

    شاء القدر، أن يُصاب الفنان عبد القادر البيدوري بمرض التهاب الشرايين على مستوى الاطراف السفلى، حيث اضطر لبتر ساقيه في سنة 2003 في مستشفى مدينة اميان الفرنسية ليجد بجانبه زوجته التي تعمل استاذة تُصارع معه الحياة والذي يُكن لها فخرا شامخا.فلم يكن مرض الفنان عبد القادر البيدوري، كما روى في لقائنا به، نهاية المطاف، بل جعله ذلك الفنان المُكابر و المبدع الذي شق مسيرته الفنيةأقلامه وأوراقه، لم تُفارقه حتى وهو يمكث بالمستشفى، بل أنجز عدة أعمال له في فترته بالمستشفى.

     

    أقام عبد الكبير البيدوري أول معرض جماعي للوحاته الفنية في مدينة اليوسفية سنة 1972 وما بين سنة 1977 إلى 1985 عاش فترة مخصصة للبحث والتكوين وصقل التجربة في مجال الفن التشكيلي، وفي سنة 1995 أقام الفنان البيدوري معرض جماعي ب " idou anfa " بالدار البيضاء، و رواق " artnet’s " في العاصمة الفرنسية باريس عرض إحدى لوحاته الفنية في المزاد. سنة 2009 خصصت له مدينة بيربينيان الفرنسية معرضا باحد معالمها التاريخية palais des Rois de Majorque.

     

    كيف بدأ ولعك وعشقك لفن الرسم ؟

     

    JPEG - 4.2 ميغابايت
    toiles9

    عندما كًنت طفلا أدرس بالمستوى الابتدائي في مدرسة، شيدت من أجل اطفال الجالية الفرنسية خلال فترة عهد الحماية وتم التخلي عنها لصالح المغاربة مع مطلع الخمسينيات القرن الماضي، كانت هناك عدة سبورات مستطيلة لا يزيد عرضها على الأربعين سنتمترا تقريبا، وطولها يتعدى المتر ونصف، مثبتة على كل جدران قاعة الدرس بالإضافة الى السبورة الرئيسية المستعملة من طرف المعلم. خلال حصة الفرنسية كُنت اتيه ببصري ومخيلتي بين تلك السبورات المملوءة عن اخرها برسومات منجزة فقط بواسطة الطباشير الملون من طرف معلم الفوج الذي كان يتناوب مع فوجنا على نفس حجرة الدرس. لقد كان هذا المعلم رساما وفنانا رائعا بمخيلة لا ينضب لها معين فعلى امتداد السنة الدراسية تتغير المشاهد بتغير الفصول الأربعة.

     

    هل لعبت هذه السبورات دورا في ولعك بالرسم ؟

     

    تلك السبورات لعبت دورا لا يستهان به في تكاسلي وتكراري مستوى الابتدائي الأول، كنت أرى فيها مهارة يد هذا المبدع وحركيتها بتتبعي تلك الخطوط المتعرجة والمتقطعة والمنجزة بسرعة وانفعال وتلقائية مفرطة لكنها دقيقة في اشارتها تمنح العين حركية التخيل والإيحاء بانطباع فني راقي دون تقيدها بخطوط محددة صارمة منغلقة على نفسها. أما المساحات الملونةفهي تخلط الطباشير الملون ببعضه البعض. فلا شك أن الرسام كان يستعمل اصابعه في حركات متنوعة مستعينا بالممسحة للحصول على كل ذلك التناغم المتماهي مع الاشكال الهاربة والمنعكسة على العين برفق والمتحولة في المخيلة إلى عالم ساحر. هكذا اصبحت بين عشية و ضحاها مهوسا بفن الرسم.

     

    إذن كنت تُحب فن الرسم منذ فترة طفولتك ؟

     

    JPEG - 5.1 ميغابايت
    toiles3@

     نعم كنت أحب الرسم ككل الاطفال وأتذكر أن والدي وقبل سن التمدرس وقبل هجرتنا إلى المدينة الصغيرة كان يرسم لي بقلم جاف على أوراق السجائر، ولما لاحظ اهتمامي الزائد بالرسم اشترى لي دفترا وقلم رصاص لهذا الغرض ولم يكن سني انذاك الأربع او الخمس السنوات، إلا أن هذه السبورات كانت بمثابة الصدمة الجميلة التي رفعت من مستوى حبي الطفولي للرسم فعوض مراجعة دروسي بعد عودتي إلى البيت اخدت اقضي كل وقتي تقريبا في محاولة تقليد كل ماكنت احتفظ به في ذاكرتي من رسومات تلك السبورات ثم تقليد رسومات الكتاب المدرسي، وكنت اجد صعوبة كبيرة في العثور على الاوراق اللازمة، فأخدت أرسم على أية دعامة اجدها في متناولي وتفي بالغرض. سواء من الورق المقوى أو ورق التلفيف بما في ذلك اكياس الاسمنت وهلُم ما جرا.

     

    ترعرعت في مدينة اليوسفية، كيف كانت طفولتك بهذه المدينة؟

     

    عشت طفولتي في حي يُطلق عليه اسم “ الفورات “ وهو الاسم الشعبي لمعمل تنشيف الفوسفاط، كان حيا عشوائيا، تستعصي أزقته على قواعد الهندسة، غير معترف به رسميا، بدون ماء ولا كهرباء كجل أحياء اليوسفية، فترعرعت هناك. كان فصل الربيع يحول نواحي هذا الحي إلى زرابي من الأعشاب البرية، المزهرة والتي تدخل البهجة إلى النفوس، و بقدر ماكان فصل الصيف يمتص رطوبة جدران بيوت الحي، وألوانها الزاهية، بحرارته المفرطة، ورياحه الشرقية الجارفة، فيغطي غبار المعمل الأزقة والبيوت، ويعم الجفاف وتكثر السحالي والحشرات، فلا حجر إلا وتحته عقرب. هكذا كنت ألعب احيانا لعبتي الخطيرة في الواحة والمتمثلة في ازاحة الأحجار المتناثرة هنا وهناك، بحذر شديد بحثا عن عقرب، لم أكن تجاوزت سن العاشرة.

     

    ما هي ابرز المعارض التي أقمتها وانعكست على مسارك الفني؟

     

    كان هناك من أبرز المعارض، معرض اقمته في رواق " artnet’s " في العاصمة الفرنسية باريس، مدينة بيربينيان وايضا هناك معرض جماعي ب" idou anfa " بالدار البيضاء، غير أنني في معرض البيضاء اكتشفت ان الفنان المغربي لا يتآزر مع أخيه الفنان، وكُنت أحس أن هناك نبرة الاستعلاء والتعالي تسود في الرواق.

     

    هل تعتبر أن الفنان ضمير المجتمع ويقضته ؟

     

    JPEG - 4.7 ميغابايت
    Oiseau céleste

    الحديث عن الضمير يجرنا الى الحديث عن الواجب والاخلاق و المسؤولية و السلطة المعنوية و الشعور بالدنب ,الخ, و كلها مجالات تحد من حرية الفنان و الفن موجود حتى لا تختزل الحياة في بعد واحد كأن يكون الفنان ضمير المجتمع.

     

    إذا كان الإبداع يعكس وجهة نظر صاحبه، فهل عبرت عنك أعمالك ؟

     

    JPEG - 4.8 ميغابايت
    L’Etre et le néant

     الفنان يبدع أكثر من أن يعبر، يكتشف اكثر مما يبدع. الأعمال ليست بالضروري أن تعبر عن الفنان، ففي أعمالي مثلا، لا أنطلق من الفكرة، فإذا كانت اعمالي عبارة عن فكرة فقط، فلم لا أكتبها وينتهي الأمر، لذلك أرى من واجب الفنان أن يبتعد عن مرحلة الذات وتوظيفها في الأعمال، وأن ينظر من حوله في هذا العالم المليء بالأشياء التي تستحق حقاً أن تكون في خانة الفنان.

     

    اعتقد ان اعمالي هي بمثابة الارشيف الحي لشخصيتي و ما عدا ذلك لا اعرف هل هي تعكس وجهة نظري ام لا.

     

    انت تعتبر ان الفن المصري القديم ترك اثره في تجربتك الفنية كيف ذلك؟

     

    لقد كنت ولفترة طويلة مهتما بتاريخ الفنون بصفة عامة و الفن المصري القديم بصفة خاصة، لقد مر على هذه التجربة ما يزيد على عقدين من الزمن. حيث كنت قد انجزت مجموعة من الجداريات مستلهما اعمالي من شريط فيديو يتحدث بالصور عن تاريخ الحضارة المصرية القديمة و استغرقت هذه الانجازات الفنية حوالي تلاثة اشهر, خلالها اصبح لدي احساس عميق بالسفر عبر الزمن و الانخراط في ماض فني جماعي اسطوري و غريب بقدر ما هو رائع ... و كأني في حلم يقظة حلم جميل للغاية و من خلال هذا اعدت اكتشاف القدرات الفنية الخارقة لهؤلاء الفنانين-الصناع التقليديين المجهولين تماما. اعدت اكتشافهم بطريقة مخالفة اكتشاف النزر القليل من رسالتهم الفنية الكونية الغارقة في التاريخ.

     

    على سبيل المثال جمالية الخطوط ليونتها ووضوخها، بساطة الاشكال ببعدين فقط ودقتها اختيار الالوان و انسجامها اي اختضار جميع العناصر الفنية في قالب محكم الامر الذي يتطلب صنعة و تجربة و مهارة لا تضاهى, تجعل منه ذلك السهل الممتنع بكل ما تعنيه من معنى مما دفعني الى اعادة النظر في مهاراتي الفنية و ان اتراجع عن غرور زائف لازمني لسنين طويلة.

     

    ما هو الموضوع او المبحث الذي تشتغل عليه ؟

     

    JPEG - 4.4 ميغابايت

    هناك دائما مؤثرات خارجية غامضة احيانا عبارة عن احاسيس حدسية اترجمها عفويا الى خطوط و اشارات وغيرها على دعامة ما, و مع المرور من مرحلة الى اخرى يتشكل الموضوع تدريجيا.

     

    في الآونة الاخيرة على سبيل المثال لدي احساس اني اعيش على هامش واقع غامض غير واضح الملامح مبهم كليل دامس بآفاق عمياء, واقع يسوده العبث و اللا معقول. ومن خلال اشتغالي على هذه الارهاصات وبتلقائية تخليت تدريجيا عن اللون لصالح اللا لون ( la non couleur) ناتج عن تشاءم عقلاني على ما اظن و ارغمت على عشق الاسود اي غياب اللون لأنه في نظري قد يكون السبيل الفني الوحيد الى وضوح الرؤيا بالنسبة لي، و لدي احساس باللعب على خيط دقيق و رفيع يتأرجح بين الظلمة و النور . "فالنحول جميعا ظلامنا الى نور" وهو النداء الذي يتضمنه الموضوع الذي اشتغل عليه حاليا.