Vous êtes ici : Accueil > ملفاتنا > ⵎⴰⵏ ⵜⵓⵜⵍⴰⵢⵜ? أية لغة؟ > الأنترنت لا يتنظر نتائج مناظرات وطنية أو قرارات حكومية لإنتاج ظواهر مجتمعية أو لغوية
  • الأنترنت لا يتنظر نتائج مناظرات وطنية أو قرارات حكومية لإنتاج ظواهر مجتمعية أو لغوية

  •  

    بقلم:  المهدي المحمدي

     

     

    من خصائص تحولات المجتمع عبر العصور أنها لا تنتظر من يريد تحليلها بالتفصيل الممل، كما أنها لا تنتظر من يطالبها بالتوقف ريتما تخرج مناظرات وطنية بتوصياتها و الحكومات بقراراتها. تحولات المجتمع الكبرى بالكاد تعطي لمن يملك سلطة مالية أو سياسية مجالا محدودا من الاشتغال على تحويل مسارها في اتجاه مصالحه، و إن استطاع توقيفها لفترة، فإنما هو فقط يساهم في تشكيل تحول يأتي بعد ذلك بقوة أكبر بعدما تعلّم من ما جعله يتوقف في المحاولات السابقة.

     

     

    إن أكبر تحول مجتمعي تعيشه البشرية اليوم هو التحول الرقمي، و خاصيّـته التسارع المعبّر عنه بقانون مور، التي تقول أن القدرة الحاسوبية التي يمكن و ضعها بنفس التكلفة في حاسوب من نفس الحجم تتضاعف كل سنتين، من تجليات هذا القانون أن القدرة الحاسوبية للهاتف الذي بين أيديكم اليوم لقراءة هذا النص

     

     

    تفوق بألف مرّة قدرة الحاسوب الذي مكّن مركبة آپولو الأمريكية من الوصول إلي القمر ثم العودة إلى الأرض بسلام.

     

     

    نعم، أيفونك أو سامسونگـك الذي تستعمله فقط لِلوَطسَــپَــة و الفَــسٍــبَــكة و التّوترة، يحتوي على قدرة حاسوبية تساوي ألف حاسوب مكّن في الستينات من إنجاز رحلة الذهاب و الإياب إلى القمر. هذا من ناحية سرعة أداء العمليات، أما من ناحية سعة الذاكرة، فأيفونك يفوق ليس بألف و لكن بمائة ألف مرّة قدرة حاسوب مركبة أپولو.

     

     

    إذاً و في غياب حرب عالمية تفوق الخيال في القريب العاجل و توقّفُ عجلة الابتكار، سيكون هاتف ابنك إنشاء الله و قانون مور و البحث العلمي الخاص بالحاسوب الكمّي ألاف مرة أكثر قدرة حسابية من هاتفك، أي أن ابنك سيكون بحوزة هاتف و حاسوب بقدرة حسابية تفوق ملايين ضعف القدرة الحسابية التي مكنت من الذهاب إلى القمر، و عشرة ملايير أضعاف ذاكرته

     

     

    ما علاقة اللغة والمجتمع بكل هذا؟

     

     

    من مخلفات التحول الرقمي للبشرية تسريع الظواهر التي تعتمد على التواصل بين البشر كميكانيزم تحوّلي. إن كنت من مواليد الثمانينات فما قبل، تذكر فقط كم كان يلزم من الوقت في صغرك لبعث رسالة إلى عمّك المنسي المجنّد بتيشلة قرب الحدود الموريتانية، و كم كان يلزمه من الوقت للإجابة بأنه لن يأتي لعطلة عيد الأضحى، فتصل رسالته ثلاثة أيام بعد ذبح الأضحية لتقول العائلة الحمد لله، على الأقل إنه على قيد الحياة

     

     

    . اليوم تُمكّننا أنترنت ليس فقط من التواصل الآني، لكن أيضا من العمل الآني مع شركاء في كل أنحاء الأرض مساهمة بذلك في تسريع انتشار الظواهر الاجتماعية و تكثيفها.

     

     

    لقد استغرق بروز اللغات الاسبانية و الإيطالية و الفرنسية مثلا حوالي خمسة قرون من تدريج اللاتينية، في زمن كان فيه كل شيء بطيء، لم تكن هناك شبكة عنكبوتية تسرّع التواصل بل تمّ ذلك قبل اختراع آلة الطباعة، وكان الكتاب يمضي سنوات بل حتى قرنا أو اثنان قبل أن يتم تداوله بين الناس أو استعمال محتواه العلمي بالشكل المطلوب.

     

     

    اليوم نعيش في عصر تمّ فيه نقل اللسانيات من علم كان يصنف في خانة العلوم الإنسانية إلى مادّة معرفية تقترب من العلوم الصرفة حيث يمكن تقييم المفاهيم فيها بشكل حسابي مثلها مثل الفيزياء أو الكيمياء، هذا ما يتجلّى في ميدان اللسانيات الحاسوبية التي أعطتنا اليوم خدمة کوکل ترانسليتأو تطبيق سيريعلىعلى الآيفون أو تطبيقات أكثر فعالية مثل خدمة التحويل الكتابي الآلي لمحتويات يوتوب.

     

     

    و نحن في هذا السياق من بروز أدوات رقمية فعّالة في خدمة اللسانيات و تسريع الضبط الرقمي للغات، لا يمكننا إلا أن نتحفّظ من حجة الدارجة خاصها قرون ديال الإنتاج التي تتكرر كردّ على من يتحمس لتشجيعها.

     

    فما استغرق خمسة قرون للإسپانية لتتبلور منذ أول ترجمة لكتاب محمد ابن موسى الخواريزمي من العربية إلى لاتينية خفيفة التأثر بالاسبانية البدائية إلى يوم كتابة تحفة دون كيخوطي دي لا مانشا بإسپانية اقتربت من لسان الناس لتبتعد عن لاتينية الكتب المتقادمة، ما استغرق خمسة قرون في تلك الحقبة لا يحتاج أكثر من قرن في زمن الكثافة التواصلية الحالي

     

     

    تأثير هذه الكثافة التواصلية يمكن تقييمه بمؤشرات الاستعمال اللغوي للمغاربة على أنترنت، فبعد أقل من عشرية من الزمن، انتقلنا من عصر الفقر اللغوي المقتصر على الاستعمال الركيك لدارجة ضعيفة مستنجدة بالحروف اللاتينية والأرقام للتعبير عن القاف و الحاء و العين و الهاء و الطاء إلى استعمال دارجة أكثر فأكثر فصاحة و سلامة حرفية يمكن الاستمتاع بكتّابها عبر صفحات مثل صفحة مول الحانوت، صفحة النّيو زحيليگر و تدوينات نوفل الشعرة أو مقالات محمد سقراط على موقع كًود أو فيديوهات نجيب المختاري

     

     

    لا زالت هذه الدارجة المكتوبة مقيّدة بسلاسل الفصحى، لكن اقترابها تدريجيا من الطلاقة الشفوية بتركيبها الأمازيغي هو مسألة وقت، وفي نظري الذّي يقبل الخطأ، هذا الوقت اللازم لبروز دارجة مكتوبة على الأنترنت، قريبة من الدارجة الشفوية، لن يقدّر بالقرون، لكن فقط بالعشريات أو أنصاف العشريات من الزمن. فمن سيخرج بهذا السلوك الكتابي ينتمي إلى مجموعة من مستعملي شبكة لا تنتظر مذكرة وزارية لتختار اللغة التي ستكتب بها.