Vous êtes ici : Accueil > ملفاتنا > الإفتراس الإقتصادي بالمغرب > الشركات الوطنية بين واقع الإفتراس و إمكانية التحرر الإقتصادي : مراخم الجنوب الكبرى نموذجا
  • الشركات الوطنية بين واقع الإفتراس و إمكانية التحرر الإقتصادي : مراخم الجنوب الكبرى نموذجا

  • تجسد تجربة مراخم الجنوب الكبرى نموذجا مصغرا للافتراس الممنهج الذي يعرفه اقتصادنا المغربي. تلخص هاته التجربة التدخل المباشر للمخزن، ممثلا في وزارة الداخلية، في الاقتصاد المغربي لخدمة مصالح السلطات العليا للبلاد. تمثل كذلك مثالا واضحا لانتزاع (expropriation ) اراضي الجماعات السلالية و استنزاف خيرات بلادنا و طاقات عمالها من دون احداث التراكم التقني اللازم لتطوير انتاجية الشركة و تحويلها الى رائد في القطاع. كما انها توضح لنا الاليات التي يعتمدها المخزن الاقتصادي لتحصيل اكبر الارباح من خلال مناورة القوانين الجاري بها العمل (يمكن ان نسمي هاته الخبرة التي بلورها اطارات المخزن بهندسة "التخلويض" ingénierie de la magouille). أما إذا تخيلنا سيناريو مختلف فإن هاته التجربة تبين لنا "القدرات الكامنة" بوحدات انتاجنا الوطنية و إمكانيات تحررنا الإقتصادي 

     

     وزارة الداخلية تخلق شركة لتزويد مشروع مسجد الحسن الثاني بالرخام :

    تشكل وزارة الداخلية الجهاز التنظيمي الذي تعتمد عليه السلطات العليا في البلاد سواء لمراقبة المواطنين و جمع المعلومات بخصوصهم او لتنفيذ المشاريع الكبرى مثل مسجد الحسن الثاني. راكمت الوزارة خلال سنوات ادريس البصري و بعدها في عهد الهمة و اخرين خبرة في جمع المعلومات و تمحيصها باعتمادها على تنظيم يمزج بين الشبكة التقليدية للمقدمين و الشيوخ و القياد لهم دراية بالواقع الميداني و اعتمادها على اليات حديثة لرصد و تحليل البيانات يتم اقتناءها من جهات اجنبية. تلجا اذا الداخلية الى اعتماد مقاربة تجمع بين خبرتها الامنية و التقنية في انجاز المشاريع سواء كانت سياسية (تقطيع و هندسة انتخابات ذات واجهة ديمقراطية) او اقتصادية-مالية (جمع الاموال لبناء مسجد الحسن الثاني1 و خلق شركة لتزويده بالرخام) او اجتماعية (تشجيع خلق جمعيات تفعل مبادرة التنمية البشرية).
    أسست وزارة الداخلية سنة
    1987 شركة لتزويد مشروع مسجد الحسن الثاني بالرخام اسمها "مراخم الجنوب الكبرى" (مجك). جاء تأسيس الشركة سنوات قليلة بعد التقويم الهيكلي الذي فرضته المؤسسات العالمية على المغرب و بالتالي لم تحدث "مجك" على صيغة شركة بموظفين تابعين للقطاع العام بل كانت شركة مجهولة الإسم (société anonyme) لكن بمجلس ادارة يضم اطارات وزارة الداخلية.

    شركة مغربية ذات قدرة إنتاجية مهمة :

    في بداية التسعينيات كانت شركة مراخم الجنوب الكبرى رائدة في مجال صناعة الرخام ليس فقط في المغرب بل في منطقة شمال إفريقيا ككل. كان بإمكان وحدات انتاجها معالجة200 ألف متر مربع من الرخام كل سنة وتسليم منقوشات ذات جودة عالية وقد حصلت الشركة على جوائز و مراتب متقدمة في معارض دولية شاركت فيها. يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل ابرزها توفر الجماعات القروية المجاورة لمقر الشركة بأكادير على كميات هامة من الرخام بالإضافة إلى مهارات يدها العاملة المغربية (كانت الشركة تشغل ما يناهز ألف عامل و مستخدم) و خبرة طاقمها التقني.

    بفضل انتاجيتها كان لشركة "مجك" رقم معاملات مهم وكمثال على ذلك فقد كانت تنتظر دخول ما يناهز 18 مليار سنتيم من مشروع الحسن الثاني إنطلاقا من سنة 1993. كان إذن بإمكان الشركة إعادة إستثمار جزء هام من هاته الأموال من خلال توسيع قدرتها الإنتاجية و تشغيل مستخدمين جدد بالإضافة إلى المساهمة في ميزانية الدولة (من خلال تأدية الضرائب وضخ الأرباح في الخزينة العامة) لكن الشركة أفلست بسبب السياسة الإفتراسية لمسؤوليها.

     إنطلاقا من مثال "مجك" يمكن القول أن العديد من الشركات الوطنية لها "قدرة كامنة" في المساهمة في إقلاع الإقتصاد الوطني و التوزيع العادل للثروات. وتجد تلك الشركات نفسها أمام خيارين : إما أن تتحول تلك "القدرة الكامنة" إلى فعالية في الإنتاج تسمح بتجلي إبداع التقنيين والعمال أو أن يكون مصير الشركة هو الإفلاس وتشريد مستخدميها بعد إستفادة الإنتهازيين من الأرباح القصيرة الأمد.

    عملية الإفتراس الإقتصادي :

    يمثل مسار شركة "مجك" حالة فريدة تلخص معضلة العديد من الشركات بالمغرب : إمكانيات مهمة استطاعت من خلالها، في فترة محدودة، تحقيق أرباح عن طريق تحويل المواد الأولية بإضافة قيمة جديدة للمنتوج المطروح للبيع (هاته القيمة نابعة أساسا من تجلي قوة العمل والتقنيات الحديثة المستعملة) غير أنها ارتكزت في أغلب الأحيان على "تراكم افتراسي" (accumulation par prédation). هذا التراكم يقوم به مقاولون من صنف "بوشكارة" ومدراء انتهازيون يستحوذون على ثروات خام دون إحداث أي تحول هام على المواد الأولية و من دون إضافة قيمة.

    يعتمد هذا "التراكم الافتراسي" على آلياتين أساسيتين :

    1- العنف والترهيب : تعتبر مسألة إنتزاع الأراضي، التي غالبا ما ترافق بالقمع، آلية مهمة لخلق فرص تحقيق الربح ففي ما يخص شركة "مجك" تم إنتزاع سبعة هكتارات من أراضي القبائل السلالية بتاسيلا لإحداث الشركة. مثل هذا التدخل العنيف يكسر الروابط و العلاقات الإجتماعية والإقتصادية التي كانت متواجدة بين السكان و يرمي بهم خارج ارضهم بينما يوفر مقالع تزخر بمواد أولية أو مواقع إستراتيجية لإحداث المقرات. (يمكن كذلك للدولة أن تنتزع أرضا من الملك العام مثل رمال الشواطئ وتعطيها لخواص يستفيدون من إستغلالها : اقر مثلا هذا التحقيق حول الريع الإقتصادي).

    تقوم العديد من الشركات بممارسة عنف اقصائي يتجلى في طرد المستخدمين المناهضين لسياسة الإدارة الإنتهازية أو ترهيبهم بالتهديدات والمراقبة. بل يصل في بعض الأحيان إلى ممارسة العنف الجسدي من خلال بلطجية مسخرين. وكمثال على ذلك تعرض سنة 2012 عمال شركة "مجك" وعائلاتهم المعتصمون-القاطنون في مقر الشركة لهجوم 600 شخص ممن اعتبروهم "بلطجية من اصحاب السوابق" لفك اعتصامهم.

    2- هندسة التخلويض (ingénierie de la magouille) : بلور مجموعة من إطارات الدولة ومقاولي "بوشكارة" مجموعة من التقنيات و المناورات يمكن تسميتها بهندسة "التخلويض" بغية الإستفادة من الفرص التي تمنحها تغيرات المناخ الإقتصادي. فبالإضافة إلى إستعمال العنف الذي قد يرتبط بعلاقاتهم داخل عدة أجهزة أمنية ابرزها وزارة الداخلية استفاد هؤلاء من سياسات المغربة (1973) و تحرير التجارة (الثمانينات) و الخصخصة (1993) بالإعتماد على الحيل القانونية و التقنيات التدبيرية (techniques de management). في تجربة "مجك" عمل مجموعة من اطارات وزارة الداخلية واقربائهم (صهر إدريس البصري مثلا) إلى الدخول إلى مجلس إدارة الشركة. على خلاف المكتب العمومي (Office) يمكن للصيغة القانونية لشركة مجهولة الإسم (société anonyme) أن تبيع حصص للخواص و هكذا إستطاع أحد المدراء أن يدخل شركته الخاصة "ملم" في رأسمال "مجك" بنسبة وصلت إلى 18%. من بين الحيل القانونية الأخرى لتحقيق أقصى قدر من الأرباح التخلص من العمال دون صرف مستحقاتهم. يتم هذا أساسا من خلال بيع أو كراء الأصل التجاري لمؤسسة جديدة (قد تحمل إسم مشابه للشركة القديمة) خلقها أصحاب الشركة القديمة أو اقرباؤهم ليطلب بعض ذلك من المستخدمين التوقيع على عقود عمل جديدة تلغي أقدميتهم. هذا ما حاول القيام به مسؤولو "مجك" عندما أنشأوا "شركة مراخم الجنوب الشركة الجديدة" سنة 1997 مع والي جهة اكادير في الطاقم الجديد2.

     يمكن كذلك الاعتماد على التقنيات التدبيرية للقيام بالافتراس الإقتصادي فقد عمل مدراء الشركة على تخفيض التكاليف (cost-killing) على شتى الواجهات للرفع من ارباحهم حتى ولو تم ذلك على حساب صحة المستخدمين. في مثال "مجك" عملت الشركة على التخلص من أكبر عدد من العمال تحت ذريعة إنتهاء مشروع بناء مسجد الحسن الثاني كما أنها اوقفت التعاقد مع شركات التأمين ضد الأخطار والحوادث و استغنت عن كل وسائل الوقاية التي يستعملها العمال في وحدات الإنتاج مما خلف امراض مثل السيليكوز لدى العديد منهم.

     بجانب الخفض من النفقات يمكن للشركات الافتراسية سن سياسة موارد بشرية (RH) تشتري بها الولاءات. عملية التحصيل على أكبر قدر ممكن من الربح لا يتم فقط عبر ترهيب "الشرفاء" بل يرتكز على مكافأة كل من يحفظ سر التلاعبات و من يقدم مساعدة عملية في المناورة أو من يرغب في الخروج بشكل فردي من "القارب قبل أن يغرق". في شركة "مجك" مثلا، عملت الإدارة على الزيادة في أجور العديد من المحاسبين (comptables) والمسؤولين عن المشتريات (responsables achats) أو عن تدبير المخزون (gestion de stocks) بالإضافة إلى الإستفادة من امتيازات عديدة. ويرجع هذا السخاء تجاه ثلة من المستخدمين إلى تواجدهم بمواقع حساسة يجب الحصول على رضاها لتسهيل عملية النهب.

    أحد العمال يتحدث عن سياسة الإفتراس :

    في نهاية الأمر أفلست شركة "مجك" وضاعت أرباحها وقدرتها الإنتاجية وفقد العديد من العمال مصدر قوتهم. في حين لازالت السياسة الافتراسية مهيمنة على العديد من الشركات ولازال اقتصادنا الوطني ضعيفا.

    لكن ماذا لو خرجنا من الواقع وتخيلنا "سيناريو إفتراضي" ؟ لو كانت سياستنا الإقتصادية مختلفة كيف يا ترى سيكون وضع "مجك" ؟

    سيناريو إفتراضي (politique-fiction) :

    تخيلوا لو أن المغرب قطع مع الإفتراس الإقتصادي بعد حكومة عبد الله إبراهيم "الثانية" وأنه بنى إقتصادا وطنيا يلعب فيه القطاع العام إلى جانب الشركات التعاونية والخاصة المتكتلة (en clusters) دورا مهما. في 2014 "مراخم الجنوب الكبرى" شركة عمومية رائدة على الصعيد الإفريقي في إنتاج الرخام. عملت "مجك" خلال السنوات الأخيرة على تنويع منتوجاتها و تطوير البحث العلمي التطبيقي في شراكة مع الجامعات و المعاهد. تدر "مجك" أرباحا لخزينة الدولة كما أنها تؤدي الضرائب على المستوى الوطني و المحلي. مجلسها الإداري يضم بالمناصفة من جهة ممثلين عن وزارة الصناعة (عوض الداخلية) وعن منتخبي المنطقة التي يوجد بها المقر والمقالع (و ليس ولاة أو عمال معينون) و من جهة أخرى ممثلين عن العمال والتقنيين و الإداريين.

     يعمل خبير في الحسابات على مد مجلس الإدارة بالتقارير اللازمة بينما يستفيد المستخدمون من خلايا الإستشارة الإقتصادية بنقاباتهم و يناقشون الإستراتيجية المقترحة من طرف وزارة الصناعة. يمكن للمجلس الأعلى للحسابات أو لجمعية حماية المال العام القيام بإفتحاص للشركة. تعمل "مجك" في شراكة مع مجموعة من التعاونيات والشركات في المنطقة على تحسين جودة ومردودية عملية الإنتاج و تطوير فرص جديدة للإستثمار. يعمل مجلس الشركة على توفير أنشطة ثقافية وفنية للمستخدمين و على نهج سياسة مسؤولية إجتماعية (responsabilité sociale) تجاه السكان التي انتزعت منهم أراضيهم من خلال جبر الضرر ماديا بالإضافة إلى توفير تكوين للشباب و مساعدته على إدماج شركات أو خلق تعاونيات إقتصادية. سن كذلك مجلس الشركة سياسة بيئية في الأماكن التي تتعرض للتلوث من خلال تخصيص جزء من الأرباح لتنظيفها في شراكة مع تعاونيات لساكنة مناطق المقالع.

    أوبنعل محمد

     

    يعتمد هذا المقال في صياغته على مقابلة مع مستخدمين من شركة مراخم الجنوب الكبرى و على مجموعة من المقالات في الموضوع تم تجميعها.

     

     

    : فيديوهات حول مراخم الجنوب الكبرى

     

    : "القانون يساوي صفر في المغرب" حسب أحد الأعيان

     

     

    : تعريف بالملف من طرف أحد ممثلي العمال

     

    : معاناة العمال وشهاداتهم

     

     

    آليات العمل :

     

     

    روبورتاج حول إعتصام العمال (أنجز في 2010) :

    https://www.youtube.com/user/zabaloun003?feature=watch

     

    مقالات إضافية حول مراخم الجنوب الكبرى :

     بيع الأصل التجاري لمؤسسة مراخم الجنوب بنحو 10.485 مليون درهم.

    مراخم الجنوب الكبرى : نهب وتشريد.

    هيئة حماية المال العام تطالب وزير الداخلية بفتح تحقيق حول تفويت شركة مراخم الجنوب منذ

    إفلاس شركة مراخم الجنوب الكبرى بأكادير سنة 2012 مأساة العمال المعتصمين بالشركة لم تنته بعد.

    عمال شركة مراخم الجنوب يطالبون بتسوية وضعيتهم.

    الدشيرة : مواجهات بمراخم الجنوب الكبرى.

    1عندما امر الحسن الثاني بإنجاز مسجد ضخم يحمل اسمه تم اقتطاع اجور المستخدمين بينما عملت وزارة الداخلية على ان لا يفلت باقي المواطنون من المساهمة المادية في المشروع. نظرا لطبيعة الاقتصاد الوطني المكون في جزء هام منه من القطاع الغير مهيكل فان شبكة الداخلية الممتدة في التراب الوطني كانت هي الكفيلة بالمساهمة الفعلية في هاته الحرْكة و جمع الاموال.

    2تلك الشركة اكترت الوصل التجاري لكن العمال رفضوا المناورة المتمثلة في توقيع عقود عمل جديدة.