Vous êtes ici : Accueil > عربية > سياسة > سلطان غالييف: الوجه الإسلامي للثورة الشيوعية
  • سلطان غالييف: الوجه الإسلامي للثورة الشيوعية

  • ربما لا يعلم كثيرون أن الثورة الروسية كان لها جانب إسلامي، بل كان من قياداتها البارزين قادة مسلمون، لكن هذا ليس بالغرابة التي يبدو عليها.

     

    دخل الإسلام روسيا من جنوبها وشرقها نحو شمالها وغربها على مراحل، أولها حملة الفتوحات في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، في نحو سنة 644 من الميلاد. فتح جيش المسلمين بقيادة الصحابي حذيفة بن اليمان أراضي ما يُعرف الآن بأذربيجان وأرمينيا، وبعدها امتد شرقًا وغربًا بين أوروبا وآسيا سلميًّا، على يد حركة الدعوة التي عرفت أوجها حينها محمولةً على قوافل التجار العرب المتنقلين عبر كل أرجاء العالم.

     

    وصل الإسلام إلى بلغاريا في عهد الخليفة العباسي المأمون، قبل وصول المسيحية الأرثوذكسية إلى تلك الأراضي، ويوضح المؤرخ التتاري شهاب الدين المرجاني أن البلغار أسلموا تحديدًا في الفترة بين 813 و833 من الميلاد، بينما دخلت المسيحية روسيا رسميًّا عام 982، أي بفارق أكثر من قرن على دخول الإسلام.

     

    لكن أوج سطوة الإسلام في الأراضي الروسية كان بعد اعتناق التتار الإسلام في عهد بركة بن جنكيز خان (1256 - 1267)، فانتشر على طول نهر الفولغا، حيث شكل التتار نواة الوجود الإسلامي في دولة عاصمتها قازان.

     

    كانت قازان ذات سلطة قوية في المنطقة، وكان حاكم موسكو لا يعيَّن وقتها دون موافقة الحاكم التتاري، ودام ذلك الحال لمدة 240 عامًا.

     

    بعد استرداد موسكو سيادتها على يد القيصر «إيفان الرابع»، صعدت حملة قمع انتقامية عارمة وإبادة تجاه المسلمين، وهي السياسة التي استمرت بدرجات مختلفة بعدها.

     

    بالرغم من ذلك صمد مسلمو روسيا، وأغلبيتهم من التتار، أمام تاريخ من الاضطهاد، وصولًا إلى الملكة «كاترين الثانية» 1773، التي كان زمنها قطيعة مع ماضي المآسي الذي عرفه المسلمون الروس، والتي أخذت على عاتقها مهمة فهم الثقافة الإسلامية والعناية بها، بعد أن قبلت بالأمر الواقع، بأن المسلمين جزء لا يتجزأ من البانوراما الديموغرافية الروسية.

     

    تجديد الإسلام: حركة البخاريين الشباب

     

    في الفترة القيصرية المتأخرة، أي مع بداية حكم القيصر «نيكولا الثاني»، ستبرز حركية إسلامية جديدة داخل مسلمين روسيا، نتاج الواقع المستجد حينها، والمقصود هنا طبول الحرب العالمية الأولى التي كانت تدق، وبالتالي إقحام المسلمين الروس في الصراع بإجبارهم على التجنيد.

     

    كانت هذه الحركية الإسلامية في نفس الوقت مقاوِمة لسياسات الدولة المركزية في موسكو، ومنصبَّة أكثر على تجديد الرؤية داخل الإسلام، وستسمي نفسها في ما بعد «حركة البخاريين الشباب»، أُسوةً بحركة «الأتراك الشباب» التي قادت الثورة التركية عام 1908.

     

    لعبت حركة الشباب البخاري دورًا محوريًّا في إحداث إصلاحات عدة في التوجهات الدينية والسياسية لمسلمي المنطقة، وتأسست دعواتها الإصلاحية على فكرتين رئيسيتين:

     

    1. تدهور وتحلل المجتمعات الإسلامية راجع إلى ابتعادها عن الدين النقي.
    2. الدين النقي هو التأويل العقلاني للنصوص التراثية الدينية، واقترانه بالتقدم والتقنية بقدر اقترانه بالأصول الإسلامية.

     

    جعل هذا مواقفهم أقرب إلى الليبرالية الروسية، وستميل مواقفهم أكثر فأكثر نحو اليسار مع صعود نجم البلاشفة، خالقين أيدلوجية سياسية هي «الاشتراكية الإسلامية».

     

    مسلمون في ثورة بلشفية

     

    نزلت البلشفية منزلة الرضا لدى شعوب كانت تعاني جُور القياصرة، منهم المسلمون، فقد كان الخطاب البلشفي جذابًا بالنسبة لمسلمي روسيا، الذين كانوا يمثلون حينها 10% من مجمل سكان البلاد، وأكثر من 10 ملايين نسمة، كتلة ديموغرافية ما كان هناك خيار للبلاشفة إلا أن يأخذوها بعين الاعتبار كحليف داخلي مهم من جهة، ومن جهة أخرى، بمنطق ماركسي، لإتاحة الفرصة للتناقضات الطبقية بين مسلمي روسيا لتطفو إلى السطح.

     

    أبدى البلاشفة اهتمامًا بكل ما كان يخلق العداوة بين مسلمي روسيا والدولة المركزية في موسكو، فأسسوا قوميسارية (وزارة) إسلامية، وأقروا مدارس قومية إسلامية وقضاءً متخصصًا يأخذ الشريعة مرجعًا له للفصل في أمور المسلمين، وأعادوا الآثار والمخطوطات الإسلامية التي نهبها القيصر، بل أطلقوا برنامجًا كاملًا لتمييز المضاد في تولي المهام الوظيفية الإدارية، سُمي «الكورنيزاتسيا»، لصالح المسلمين وغيرهم من الأقليات المضطهد داخل روسيا في أقاليم سيادتهم، على حساب المستوطنين الروس.

     

    بإصلاحات كهذه، اكتسب لينين وتروتسكي وغيرهم من قادة الثورة شعبية كبيرة لدى مسلمي روسيا، وكان الشعار الشائع الصادح من حناجرهم معبرًا مثاليًّا عن موقفهم ذاك: «يحيا السوفيات، تحيا الشريعة».

     

    على سبيل المثال، في عام 1919، كتب محمد بركة الله، مستشار التاج الملكي في أفغانستان، في كراسه المعنون «البلشفية والسياسة الإسلامية»: «بعد الليالي الطويلة المظلمة الأوتوقراطية القيصرية، انبلج فجر الحرية في الأفق الروسي، حيث بزغ لينين كشمس مشرقة تمنح الضوء والأَلَق ليومنا هذا المتمتع بسعادة البشرية».

     

    «لقد وُضعت إدارة الأراضي الروسية والتركستانية الشاسعة في أيدي العمال والفلاحين والجنود.. لقد زالت التفرقة على أساس العِرق أو الدين أو الطبقة.. ولقد آن الأوان للمحمديين (أي المسلمين) في العالم، وللبلاد الآسيوية، أن يتفهموا المبادئ النبيلة للاشتراكية الروسية وأن يتمسكوا بها بجدية وحماس».

     

    إشادةٌ كهذه تبين لنا أكثر أن مزاج الرضا عن الثورة البلشفية لم يكن مقتصرًا على مسلمي روسيا، بل ساد حينها عموم شعوب آسيا الوسطى، التي كانت ترزح تحت الاستعمار البريطاني المذل، فوجدت في مبادئ الاشتراكية الروسية معينًا على رد محنتهم تلك، وفي الجمهورية السوفييتية الفتية حليفًا ضد عدو موحد هو الإمبريالية الغربية.

     

    تأكيدًا لذلك، كتب عبد الرؤوف فطرت، وهو أحد دعاة حركة البخاريين الشباب المؤثرين في ذلك الوقت، قائلًا إن «واجب إخراج الإنجليز من الهند هو بنفس قداسة واجب إنقاذ صفحات القرآن من أن يسحقها حيوان بقدميه، وهمٌّ يساوي في مركزيته همَّ إخراج خنزير من مسجد».

     

    انضم عدد من مسلمي روسيا إلى أجهزة الدولة البلشفية، بل انضمت جماعات إسلامية بأكملها إلى الحزب البلشفي، إضافةً إلى دعم الثورة الحمراء من شخصيات إسلامية بارزة وقتها، كالقائد الإسلامي علي حجي كوشينسكي والزعيم الصوفي الشيشاني علي ماتاييف، والاستجابة المبادِرة من مسلمي الروس خلال مؤتمرهم عام 1917، بحضور ألف عضو منهم 200 امرأة، ممثلين عن كافة المكونات المسلمة في روسيا، التي أقرت قرارات ثورية في ذلك الوقت، من قبيل نبذ الملكية الخاصة، وإقرار المساواة بين الرجل والمرأة، ومنع تعدد الزوجات، ومنع الحجاب.

     

    كذلك، الدعم السياسي والميداني الذي تلقاه البلاشفة من طرف المجددين الإسلاميين، والإقبال على القتال من طرف المسلمين في وحدات الجيش، لدرجة أسماهم تروتسكي «الثوريين الخام الذين أتوا يطرقون أبوابنا». بقي شرق روسيا المسلم مصرًّا على الانفصال وتكوين دولة تركستان عاصمتها بخارى، إلى أن غزاه السوفييت سنة 1919 بدعم من حركة البخاريين الجدد، وضموه نهائيًّا إلى حكمهم.

     

    إلا أن الاتحاد البلشفي الإسلامي الذي رافق المرحلة اللينينية سرعان ما قُوِّض مع تربع ستالين على رأس الجمهورية الاشتراكية. جاء الأمر أولًا بذريعة اقتصادية محضة، إذ كانت الدولة حينها تعيش أزمة حالكة، قلصت من خلالها موسكو دعمها لوسط آسيا. البديل أمام تدهور الخدمات العمومية كان اللجوء إلى المبادرات المحلية في تلك المناطق، التي كانت إسلامية محضة.

     

    في عام 1924، توقف التمويل الحكومي عن القضاء الشرعي، وبالتالي انتهى تمامًا. ومقابل الوضع الصناعي الميت، رجعت السلطة الستالينية إلى الدفع بالعمال الروس لاستلام المناصب العمالية، ظنًّا منها أنهم القوة القومية الرابطة في روسيا، في وقت كانت تتفشى البطالة والفقر داخل الأوساط المسلمة.

     

    شجع ستالين عودة الشوفينية الروسية بغرض مقاومة احتجاجات الأقليات الأخرى. تصاعد الاحتقان الستاليني ضد المسلمين، احتقان فسره الستالينيون بأنه حرب ضد «المآسي التي تولِّدها العادات»، وحشد لحملة شعارها «هجوم» مركَّزة في أوزبكستان وأذربيجان. حملة مفتعلة قابلها كثير من الرفض داخل الحزب الشيوعي نفسه، غير أن الرفض لم يُثنِ ستالين عن سياساته.

     

    تصاعدت وتيرة العنف الرمزي ضد المسلمين بانتهاك عاداتهم وتقاليدهم، وإعادتهم إلى حالة التهميش التي عرفوها قبل 1917.

     

    وسط هذه التقلبات في علاقة المسلمين بالثورة البلشفية، كان هناك رجل مسلم قادهم للتحالف مع البلاشفة بحماسة، وأصبح أحد أهم قاداتهم، وكان كذلك من دفع ثمن الهجوم الستاليني المضاد، كجزء من حملة ستالين ضد غالبية قيادات الحزب الشيوعي: سلطان غالييف.

     

    ميرزا سلطان غالييف

     

    وُلد مير سعيد سلطان غالييف، أو ميرزا سلطان غالييف باللكنة التتارية المحلية، عام 1892 لعائلة تتارية قروية، غير أن مهنة الأب كمعلم في المدرسة الإسلامية كان لها تأثير جاد على مسار الابن، فترعرع الطفل مير سعيد متعلمًا ذا ارتباط عميق بأمته التتار، ودينها الإسلام السني، وما تحمله ذاكرة شعبه التاريخية من اضطهاد وقمع من الدولة المركزية الروسية، والمقاومة الرمزية المتوارثة، وبإحساس عميق بالهوية المختلفة عن باقي مكونات الشعب الروسي.

     

    بعد ثورة 1905، وكان عمره آنذاك لا يتعدى 13 عامًا، بدأ احتكاكه بالأفكار الثورية وضرورة العنف في التغيير. وسينتقل بعدها إلى مدينة باكو تحت أنظار «ناريمان ناريمانوف»، إحدى الشخصيات السياسية الأذرية البارزة حينها، ثم إلى قازان لمتابعة تكوينه كمعلم، سيرًا على نهج أبيه.

     

    في قازان، سيلتقي ميرزا الشاب شخصيات ناشطة داخل جماعات المجددين الإسلاميين، وستنضج أفكار الثورة لديه أكثر مع اطِّلاعه على أدبيات اليسار الماركسي.

     

    سيتخرج بعدها معلمًا سنة 1911، ويباشر عمله إلى جانب كتابته في عدة صحف محلية ووطنية، مقالات موقعة في البداية بأسماء مستعارة مثل «ابن الشعب» و«سوخوي»، ومع حلول عام 1914، سينتقل مجددًا إلى باكو ويتفرغ للكتابة هذه المرة باسمه الحقيقي: «مير سعيد سلطان غالييف».

     

    وسط المناخ الاجتماعي متنوع الأصول والجنسيات في باكو، المحتقن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، سيركز سلطان في كتاباته على رفض ويلات الحرب التي أُقحم فيها المسلمين الروس جبرًا، وسلاحًا ضد الأوتوقراطية القيصرية وآليات الاضطهاد الممنهج التي عانى منها المسلمون حينها. في تلك المرحلة ستتحول أفكار غالييف شيئًا فشيئًا إلى أفكار ماركسية بلشفية.

     

    بعد اندلاع الثورة البلشفية عام 1917، سيكون ميرزا سلطان غالييف أحد المشاركين في المؤتمر الأول لمسلمي روسيا في موسكو، وسيُنتخب عضوًا لمجلس مسلمي روسيا. وفي كازان، سيكون من المؤسسين لأول سوفييت مسلم بصحبة «مولَّانور فاشيتوف»، ويعلن انضمامه إلى الحزب البلشفي بعدها.

     

    أمام قرار انضمامه، ستستعر عليه الانتقادات من طرف أبناء شعبه المسلمين الروس. وللرد على تلك الانتقادات ودفاعًا عن قراره سيكتب: «تعاوني مع البلاشفة لم يكن تملقًا ذليلًا لهم. حب شعبي الذي ينبض داخلي دفعني إلى ذلك، وانضمامي إليهم لم يكن خيانة لأمتي، أو رغبةً في شرب دمائها. لا، انحيازي لجانب البلاشفة كان إيمانًا مني بعدالة قضيتهم، وأعلم أن هذه قناعة راسخة في روحي لن ينتزعها أي عارض».

     

    علل سلطان موقفه بأن العدو الذي يترصد المسلمين في آسيا وشمال إفريقيا هو الإمبريالية التي تستعبدهم وتسفك دماءهم، وهي عدو موحد بين المسلمين والبلاشفة.

     

    هذا الانحياز إلى جانب البلاشفة سيمكِّن ميرزا سلطان غالييف من حيازة مكانة مرموقة عند قادة الثورة، وعلى رأسهم لينين، الذي كانت تربطه بصاحبنا علاقة حسنة.

     

    إبان الحرب الأهلية سيكون لميرزا سلطان غالييف دور جوهري في حشد المسلمين للانضمام إلى الجيش الأحمر، وسيُسهم في تحفيز البشكير (التركمان الروس) للانضمام إلى القضية البلشفية، ويؤسس أول مقاومة للجيش الأبيض في قازان عام 1918. بعد ذلك، سيُستدعى ليكون العقل المدبر للسياسات المضادة للتمييز الموجهه إلى المسلمين، في ما يسمى برنامج «الكورنيزاتسيا».

     

    رغم تأكيد سلطان غالييف موقفه الداعم للثورة البلشفية، ودوره الفذ في أجهزة الحزب الحاكم داخلها، فإنه اختص بمراجعات نظرية للفكر الاشتراكي انطلاقًا من واقعه القومي وانتمائه الديني.

     

    أبرز ما طبع مسيرة غالييف الفكرية كان تأويله الإسلامي للماركسية، الذي هو في الحين نفسه تأويل ماركسي للإسلام. منطلقًا من تأمل عميق لواقع المسلمين الروس، لاحظ سلطان أنهم عبارة عن طبقة يميزها انتماء هوياتي ديني موحد هو الهوية التترية الإسلامية، وواقع طبقي واحد موسوم باستغلال مجحِف وتفقير ممنهَج من جانب المكوِّن الروسي المهيمن.

     

    بأقوال مثل هذه، حوَّل غاييف فكرة الصراع الطبقي العام إلى صراع طبيعي بين المسلمين والروس، ومنحه طابع القومية. رسم غالييف طريقًا جديدة للصراع داخل الجمهورية السوفييتية، هو صراع المسلمين من أجل تحصيل حكمهم الذاتي، وهو الصراع الذي سيكلفه غاليًا، رغم مكانته داخل الحزب البلشفي.

     

    ففي عام 1923، كان الاتحاد السوفييتي يعيش أكثر مراحله صعوبة، الظرف الزمني عنوانه: لينين قائد الثورة، ملهم الجماهير، أبو السوفييت ومُنظِّرهم، على فراش الموت. تبعثرت أوراق الحزب الشيوعي وقتها، وعمَّ الجدال لقاءات مكتبه السياسي. لا وجود لخليفة محدد يحل محل لينين، وآلت الأمور بعدها إلى نزاع ثنائي بين جوزيف ستالين وليون تروتسكي.

     

    كانت تلك الفترة الحالكة مصيرية بالنسبة إلى صاحبنا، ميرزا سلطان غالييف، الذي كان يعُد لينين جدار صدٍّ له من تغوُّل رجالات الحكم البلشفي الآخرين. ثقته في الحزب قُزمت في ما بعد إلى ثقة في لينين وحده، خصوصًا بعد المراجعات الجذرية التي صار يعبِّر عنها في العلن والخفاء، متبنيًا وجهة نظر تحريفية بالنسبة للماركسيين المتحمسين الذين شاطرهم النضال السياسي، والذين يتميزون بحماسة مستعرة ضد أي نزعات قومية.

     

    جلب قول غاييف بأن «الصراع بين المسلمين والروس صراع طبقي بين طبقة مستغَلة، أي المسلمين، وطبقة مستغِلة أي الروس» عليه مشكلات عدة، تمثلت في الطرد من الحزب والاعتقال لمدة ست سنوات، وكان ذلك بإيعاز مباشر من ستالين، وتنفيذ فوري من البوليس السياسي.

     

    كان مجمل التهم التي أدين بها في دعمه لمطالب إقامة دولة مستقلة للمسلمين في شرق روسيا هي دعمه القومية التركمانية المسلمة، وسعيه إلى تقسيم الاتحاد السوفييتي، والتآمر مع الأتراك بغرض تسليمهم شبه جزيرة القرم.

     

    كان للصراع الداخلي أثر في تلك التهم، كما يوضح كتاب لـ«رومان براكمان»، على أن ضرب ميرزا سلطان غالييف كأحد أبرز الوجوه التتارية السياسية، وبالتالي ضرب التتار الذين كان لهم امتداد في شبه جزيرة القرم، وما تلاه من تلميح ستالين بإقامة كيان حكم ذاتي لليهود في شبه الجزيرة، كان له غرض هو استمالة الأعضاء اليهود داخل المكتب السياسي، وسحبهم من جناح تروتسكي الذي كان له امتداد داخل يهود روسيا.

     

    بعد إطلاق سراحه سنة 1928، كان ستالين حينها قد صفَّى كل نِد له داخل الحزب والدولة، وانفرد بالحكم بقبضة من حديد.

     

    لم يتوقف ميرزا سلطان غالييف بعد السجن عن الجهر بأفكاره، وهو ما سيجُر عليه مجددًا آلام الاعتقال والأشغال الشاقة. بعدها سيطلَق سراحه، ثم يُعتقل مجددًا للمرة الثالثة عام 1937، ليُعدم شتاء 1940، مخلفًا وراءه تراثًا فكريًّا فريدًا، سيُطمس كليًّا عن عمد بعدها، إلا من شذرات عن حياته ومواقف متناثرةً في كتب التاريخ هنا وهناك، وهو المصير الذي شاركه فيه قادة بلاشفة كثر، طحنتهم دولة أنتجتها الثورة نفسها التي قادوها.

     

     

    الكاتب: سفيان البالي

     

    المصدر: موقع المنشور