Vous êtes ici : Accueil > ملفاتنا > ⵎⴰⵏ ⵜⵓⵜⵍⴰⵢⵜ? أية لغة؟ > لماذا يجب على المغرب اتخاذ الإنجليزية كلغة أجنبية أولى؟
  • لماذا يجب على المغرب اتخاذ الإنجليزية كلغة أجنبية أولى؟

  • بقلم : المهدي المحمدي

     

     

    في حوار مع الطلبة المهندسين بالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية نظّمته مبادرة طارق ابن زياد، أجاب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران عن سؤال حول استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية كلغة أجنبية رئيسية كالتالي:

     

    "الفرانساوية، كلغة، حتى هي عندها وزنها فالعالم، و هيّ ديال الدولة اللّي عندنا معاها العلاقات الأولى اقتصاديا"

     

    كما قال أيضا:

     

    "ولكن، ما غا تاخدش الإنجليزية المكان ديال الفرنسية الآن"، معللا ذلك بكون الطبقة الاقتصادية للمغرب مفرنسة.

     

    جواب بن كيران، وإن كانت نيته حسنة، ينطلق من أفكار تدعو للصواب بما تبدو عليه من براگماتية، ليدافع عن عكس الصواب: الإبقاء على الفرنسية كأول لغة أجنبية، عوض الإنجليزية التي يتحتم على المغرب إرساءها كلغة أجنبية أولى بشكل عاجل كما سأحاول تبريره في هذا المقال.

     

     

    الجواب الرقمي

     

    أواخر السنة الماضية، كنت بالعاصمة السينيغالية داكار، حيث عقد لقاء قادة دول المنظمة العالمية للفرنكوفونية، على هامش هذا الحدث، نُظّمت مسابقة للشباب الفرنكوفوني في مجال تصميم و برمجة تطبيقات الويب و الهاتف الخاصة بالتعليم الرقمي، الألعاب الإلكترونية و الإنتاج السينيمائي، الكل بطبيعة الحال مع الإلحاح على الطابع الفرنكوفوني للتطبيقات. كنت مدعوا للحدث بصفة عضو لجنة التحكيم و مؤطر للمشاركين. من بين حوالي خمسة عشر فريق مشارك من دول منظمة الفرنكوفونية من بلجيكا إلى جزر القمر مرورا بالمغرب و ساحل العاج ، و بدون مفاجئة (على الأقل بالنسبة لي) كان الفريقان الفائزان بكل بساطة الفريقان الأكثر إتقانا للغة الإنجليزية، وفشل الفريق ذو الفكرة الأكثر براعة في إكمال إنجازها في الوقت اللازم لضعف إنجليزية أعضاءه، حيث تعذر عليهم استعمال الأدوات البرمجية المتوفرة على أنترنت بشكل مفتوح

    open source projects

    التي تكون في الغالبية الساحقة موثقة بالإنجليزية فقط، و أضاعو وقتا ثمينا من وقت المسابقة في إعادة برمجة أدوات موجودة لكن موثقة بالإنجليزيةبطبيعة الحال، تطبيقا الفريقين الفائزين كانا ناطقين بالفرنسية كما دعت إلى ذلك شروط المباراة، لكن لتطوير ذلك و برمجته، اعتمدالفريقان على أدوات مسبقة البرمجة، و ذلك بفضل فهمهم الجيد للوثائق المصاحبة لهذه الأدوات، كلها بالإنجليزية.

     

     

    إن مثال المجال الرقمي وحده كافي لصياغة العديد من الأجوبة التي تردّ على موقف بنكيران الداعي إلى الإبقاء على الفرنسية كأول منفذ للمغرب على العالم الخارجي، و في هذا الاختيار خطر كبير على مستقبل البلاد الاقتصادي، العلمي و التكنولوجي.

     

     

    صحيح أن الفرنسية لا زالت تفتح بعض الأبواب، لكن عدد هذه الأبواب أقل بكثير من تلك التي تُغلق على المغاربة بسبب عدم تحكمهم باللغة الإنجليزية. دائما في إطار الحجج المعتمدة على مركزية الأنترنت في حياتنا اليوم: لا يشكل المحتوى الفرنكوفوني إلا حوالي أربعة في المائة من ما تعج به الشبكة، بينما تفوق تلك النسبة الخمسة و الخمسين بالمائة بالنسبة للإنجليزية

     

     

    الجواب العلمي القادم من فرنسا نفسها

     

    في مجال العلوم، إذا أخذنا مثلا ترتيب المراجع من خلال عدد الإحالات، تتصدر الإنجليزية الترتيب بحيث لا يمكن مقارنة مكانتها العلمية مع مكانة اللغات الأخرى. ربما تصبح الصينية أو البرتغالية أو لغة أخرى أول لغة للعلوم في مستقبل بعيد، و ربما تتوازن القوى لتتشارك عدة لغات الصدارة، لكن كل المؤشرات الحالية تشير أن سيطرة الإنجليزية باقية و تتمدّد، و لا يوجد أكاديمي في كامل قواه العقلية يشكك في بقاء الإنجليزية متربعة لا شريك لها على عرش لغات العلوم في العشرية القادمة

     

     

    قد يذكرنا البعض أن البحث العلمي الفرنسي متقدم جدّا رغم الأفكار المسبقة حول ما يسمى بالانحطاط الفرنسي، و أن المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي من أكبر المنتجين العالميين للمعرفة اليوم، و هذا صحيح، لكن المعرفة التي تتنتجها مراكز البحث و جامعات فرنسا، تنتج بلغة انتشار العلوم: الإنجليزية، لغة المراجع العلمية المحترمة.

     

     

    و فرنسا نفسها باتت تتدارك تأخرها الجامعي الطفيف، و الذي لا يعتبر بثاتا تأخرا مقارنة مع دولة كالمغرب، و ذلك باتخاذ بعض الإجراءات أهمها إعادة النظر في التعصّب اللغوي المعادي لانتشار الإنجليزية بالجامعات و المدارس العليا الفرنسية، حيث أن التعليم بالإنجليزية يتجه ليصبح القاعدة و ليس الإستثناء في أسلاك الماستر الأكثر تنافسية.

     

     

    في ردّ لها على منتقدي توسع بقعة الإنجليزية في الجامعة الفرنسية، قالت جونڤييڤ فاروزو، وزيرة التعليم العالي و البحث العلمي بفرنسا سنة 2013

    ” نحن مثيرون للسخرية”

     

    واصفة بذلك المكانة الفرنسية في السوق العالمية لاستقطاب الطلبة، متخذة كمثال عدم استفاذة فرنسا من الموارد البشرية للهند، أكبر مصدر للطلبة في العالم، عازية ذلك للتوققع اللغوي التي حاربت بدعم الإنجليزية.

     

     

    إن كانت فرنسا نفسها ترى في الإنجليزية السبيل للخروج من خطر التقوقع الفرنكوفوني، فهل للمغرب حقا مستقبل بالفرنسية كلغة أجنبية أولى؟

     

     

    الجواب الإقتصادي

     

    قد يجيب البعض كما أجاب رئيس الحكومة أن الشريك الإقتصادي الأول للمغرب هو فرنسا، و هذه حجة لا مكان لها في المبادلات التجارية العالمية، أو لها مكانة أضعف من ذي قبل: إذا أردنا تطبيق نفس المنطق على فرنسا، تشكل ألمانيا أهم الشركاء الإقتصاديين لها، ما لم يجعل من الألمانية اللغة الأجنبية الأولى عند الفرنسيين اليوم، أو من الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى عند الألمان، حيث أن المبادلات التجارية بين الدولتين، و إن كانت تقوم تاريخيا على ازدواجية لغوية ألمانية-فرنسية بالنسبة لجيل ما بعد الحرب، فإنها اليوم تتجه تدريجيا لتكون مبادلات اقتصادية قائمة علىالإنجليزية طبعا.

     

     

    سرعة الترجمة مقابل سرعة التحولات وخطر الإعاقة التقنية

     

    أما تقنيا، ودائما إذا ما قارننا الوضع في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية و اليوم: قبل ستين أو أربعين سنة، كانت التحولات التقنية تقع بسرعة بطيئة نسبيا تسمح للدول الصناعية الكبرى و الغير الأنگلوفونية بترجمة أهم المستجدات الصناعية و كيفية استعمالها لتبقى صالحة لعشرية من الزمن على الأقل.

     

     

    اليوم، التحولات التقنية تقع بسرعة تفوق سرعة الترجمة، و توثيقها يكون بالإنجليزية كما ذكرت في المثال الرقمي، و بالتالي فإن الاعتماد على لغة أجنبية أولى غير الإنجليزية هو بكل بساطة حكم بالإعاقة على كل المهندسين و التقنيين المغاربة المعتمدين على الفرنسية كنافذة على العالم.

     

     

    وأنا أعدّ هذا المقال، صادفت تسجيلا لرئيس الحكومة نفسه، قبل أشهر من التصريح المذكور في بداية المقال، في الأيام الأولى من انفراج الأزمة الديبلوماسية بين المغرب و فرنسا، يقول فيه كلاما مفاذه أن مصلحة المغرب في اتخاذ الإنجليزية لغة أجنبية أولى قبل الفرنسية. أتعجّب الآن من المفارقة بين التصريحين، ثم أتسائل، هل الاختيارات اللغوية للدولة مقرونة بالمصالح البراگماتية، المبنية على الحجج الأكاديمية و التقنية و الاقتصادية، أم بتدبدبات العلاقات الدبلوماسية؟

     

     

    إنه من العبث اقتران السياسة اللغوية لدولة بالمشاعر أو العلاقات الديبلوماسية المرحلية. الدفاع عن الإنجليزية كلغة أجنبية أولى للمغرب لا يجعل منّي معاديا لفرنسا، والتي أنجزت فيها جزء لا بأس به من تكويني، و لا يجب خلطه باعتبارات عبثية خارج النطاق البراغماتي المحض الذي لا يراعي إلا المصلحة اللغوية للمغاربة.